محمد أبو زهرة

1231

زهرة التفاسير

يقنع الماديين بأن وراء هذه الأسباب فاعلا مختارا ، وليست الأسباب مؤثرة في الإيجاد ، إنما المؤثر هو اللّه سبحانه وتعالى . وإحياء الموتى وحده برهان قاطع على أن الأسباب العادية ليست هي المؤثرة وإنما الخالق المكون هو المؤثر ، وأن الأشياء لم تخلق بالعلّية ، إنما خلقت بالإرادة المختارة المبدعة المنشئة المكونة ، وعبر بقوله : بِإِذْنِ اللَّهِ في كل هذا للإشارة إلى أن المبدع المنشئ هو اللّه سبحانه وتعالى ، وأنه ليس ما يجرى على يدي عيسى لمعنى الألوهية فيه ، إنما هو للّه العلى القدير . والآية الرابعة بينها سبحانه وتعالى بقوله : وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ : الإنباء والتنبيء : الإخبار بالخبر العظيم ، إما لموضوعه ، وإما لعظم شأن الإخبار نفسه ، والإخبار عن شئ من غير رؤيته ، إخبار عظيم في ذات شأنه ؛ ولقد كان عيسى لفرط روحانيته ، ولما أكرمه اللّه به من إجراء الخارق للعادة على يديه تأييدا لرسالته ، يخبر من بعث إليهم بما يأكلون ، أي ما يأكلون ، وما يدخرون في بيوتهم ، وهذا نوع من الكشف النفسي أعطاه اللّه لنبيه عيسى عليه السلام ، وهو ليس من قبيل الإخبار عن المستقبل ، وإنما هو من قبيل الإخبار عن الحاضر الواقع ممن لا يراه . وقد كان النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم يخبر عن بعض الأمور المستقبلة ، كما أعلمه اللّه تعالى ، مثل قوله تعالى : غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ وكإخباره عليه الصلاة والسلام عما يحدث لأمته في الأزمان المستقبلة ، وكإخباره عليه الصلاة والسلام عن فشو الربا في أمته ، مثل قوله عليه الصلاة والسلام : « يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا » قيل : الناس كلهم يا رسول اللّه ؟ ! قال « من لم يأكله ناله غباره » « 1 » .

--> ( 1 ) رواه بهذا اللفظ أحمد بن حنبل : باقي مسند المكثرين ( 10007 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، كما رواه النسائي : البيوع ( 4379 ) ، وأبو داود : البيوع ( 2893 ) ، وابن ماجة : التجارات ( 2269 ) بنحوه .